40- التربية الجسدية

40- التربية الجسدية

الإسلام دين شامل يُعنى بامور الدنيا وامور الاخرة ويُعنى بأمور الفرد وأمور المجتمع ويُعنى بالفرد من كافة الجوانب، يُعنى بروحه وبعقله وبجسده لان التربية الحقيقة لاتكون بالعناية بجانب من الجوانب دون جانب، كأن نربى العقل ونترك الروح او نربي الروح ونترك الجسد وإنما لابد أن يأخذ العقل والروح والجسد حقه من التربية حتى يصل المربى إلى أحسن حالاته

 لذلك منهج المصطفى صلى الله عليه وسلم في تربية أصحابه كما مر معنا يركز على كافة الجوانب لينشأ الإنسان متوازن قوي في عبادته وقوي في عقيدته وفي اخلاقه وقوي في جسده

تكلمنا في المرات السابقة عن التربية العَقدية والروحية والتربية العبادية والتربية الاخلاقية واليوم سنتكلم عن التربية الجسدية،و كيف عُنيَ الإسلام بالجسد ووضع منهجاً متكاملا للإنسان للحفاظ على صحته من خلال قواعد ومبادئ يؤجر المسلم على تطبيقها

الجسم أمانة لدى صاحبه

فقد اعتبر الدين الحنيف حماية النفس والحفاظ على الصحة ضرورة من ضرورات الإسلام، الخمس المتمثلة في الدين والنفس والمال والنسل والعقل، يقول الدكتور احمد محمد كريم أستاذ الشريعة من حقنا نحن المسلمون ان نتباهى ونفتخر بالمنهج الصحي المتكامل الذي جاءنا به الإسلام ليضمن للإنسان الحياة الصحية ليكون دائما معافى في بدنه، جاء الإسلام بالعناية بالجسد،و سمع الناس لأول مرة بأن الدين يهتم بالصحة والجسد من خلال توجيه الحبيب صلى الله عليه وسلم (لجسدك عليك حقا) فجعل الإسلام العناية بالجسد من صميم العبادات،، من حق جسدك عليك أن تقويه ازا ضعف، وتنظفه اذا اتسخ وتريحه ازا تعب وتعالجه إذا مرض، فالصحة في نظر الإسلام ضرورة وحاجة اساسية وليست حاجة كمالي او ترف ولحياة الانسان حرمتها ولايجوز التفريط فيها أو إهدارها على عكس الأديان السابقة المحرفة التي كانت لاتهتم بالجسد ومازالت لاتهتم بالجسد وتقوم على تعذيب البدن وتحريم الطيبات على زعم هؤلاء ان هذا يصفي الروح ويرقى بها

الإسلام اعتبر الجسم أمانة لدى صاحبه وجعل تعذيبه وعدم الاعتناء به ذنب كبير يعاقب عليه يوم القيامة، قال سبحانه وتعالى (ولاتلقوا بايديكم الى التهلكة) وقال سبحانه (ولاتقتلوا انفسكم أن الله كان بكم رحيما) وجاء في الحديث الصحيح (تداوو عباد الله فإن الله ما أنزل داء إلا وأنزل له دواء)

أراد الاسلام ان ينشئ أمة قوية ولايمكن للامة ان تكون قوية إلا اذا كان افرادها اقوياء، فالمجتمع يتكون من الأفراد كما يتكون البناء من اللبنات، ومحال ان يكون البناء قويا إذا بنيَّ بلبنات ضعيفة متخلخلة فلهذا حرص الاسلام على إنشاء الفرد الصالح حتى لاتكون امة الاسلام غثاء كغثاء السيل تعيش على هامش الحياة وتغرق في عجز جسدي وفكري فإن الجسم السليم في العقل السليم

قال صلى الله عليه وسلم

(المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف)

الاسلام اعتبر الصحة الجسمية من أجل نعم الله على عباده فهي رأس مال الإنسان بعد الإيمان قال صلى الله عليه وسلم (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس) وقال صلى الله عليه وسلم (سلوا الله العفو والعافية والمعافاة في الدين والدنيا والاخرة) وقال صلى الله عليه وسلم (من أصبح منكم  معافى في جسده، أمنا في سربه، عنده قوت يومه، كأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها) فالجسد هو المركب الذي يحمل الانسان وبه يقوى للعبادة ولعمل الخير لنفسه ولامته وبهذا الجسد الصحيح يكون قادرا على عمارة الارض والجهاد في سبيل الله وتحمل هموم الدعوة وصعوبات الحياة 

ولقد كان قدوتنا صلى الله عليه وسلم ورسولنا الحبيب من اقوى الناس جسما وبدنا فقد رفع صخرة لايستطيع عشرة من الرجال رفعها وصارع عليه الصلاة والسلام ركانة وصرعه ٣ مرات وركانة كان يعد من اقوى الرجال، لهذا جاء الاسلام بقواعد صحية وطيبة تضمن للانسان الصحة التامة اذا ما التزم وطبق القواعد

من هذه القواعد التي جاء بها الاسلام العناية بالنظافة فجعل الطهارة اساس لابد منه لكل صلاة، وجعل الصلاة خمس مرات يوميا وجعل لكل صلاة وضوء، وسن سنن الفطرة ووقت يوما كل اسبوع للغسل فغسل الجمعة واجب على كل مسلم وشرع النظافة بعد الطعام وغسل الايدي قال صلى الله عليه وسلم (بركة الطعام الوضوء قبله وبعده) ويعني الوضوء في الحديث هنا غسل اليدين

تطهير الفم والانسان

كما اعتنى بتطهير الفم والانسان قال صلى الله عليه وسلم (تسوكوا فإن السواك مطهرة للفم مرضاة للرب) ماجاء جبريل إلا أوصاني بالسواك

وقد بين الرسول صلى الله عليه وسلم للأمة كثيرا من قواعد الصحة العامة للوقاية من الامراض وضبط حاجة الإنسان الى الطعام والشراب قال سبحانه وتعالى (كلوا  واشربوا ولاتسرفوا)  فالإسراف في تناول الطعام وإدخال الطعام على الطعام  يصيب الانسان بكثير من الامراض في الجهاز الهضمي، وقد نهى صلى الله عليه وسلم عن ترك أنية الطعام مكشوفة وعرضة للحشرات والهوام ونهى عن النوم بعد الأكل لأنه يسبب عسرا في الهضم واضطراب في الأمعاء، قال صلى الله عليه وسلم (ما ملأ ابنو ادم وعاء شر من  بطنه، بحسب ابن ادم  لقيمات يقمن صلبه) 

وضبط ايضا الشراب، وكان صلى الله عليه وسلم (يستعزب الماء فلايشرب إلا الماء الصالح النظيف غير الملوث) وسن شرب الماء على ثلاث دفعات ونهى ان يتنفس الشارب في الإناء لان هواء الزفير يفسد الماء ويلوثه وجاء الهدي النبي  صلى الله عليه وسلم بالنهي عن تلويث الانهار والترع ونهى صلى الله عليه وسلم ان يبال في الماء الراكد ونهى ان يبال في الماء الجاري 

كماضبط الحاجة الى المأوى وضبط الحاجة للنكاح والزواج وقد أوجبه في بعض الأحيان وحرم الزنا واللواط والمخادنة وضبط ايضا الحاجة الى الملبس ونظافة الملبس وأوجب من اللباس مايستر العورة ويحفظ الجسم من الحر والبرد وندب الى الزينة عند الذهاب الى المسجد وأمر بنظافة هذه الثياب، رأى صلى الله عليه وسلم (رجلاً عليه ثياب وسخة فقال أما يجد هذا مايغسل به ثوبه) وندب للانساب أخذ الزينة عند الذهاب للمسجد (يابني أدم خذو زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولاتسرفوا) 

وطلب الوقاية من الأمراض المعدية الفتاكة والاسلام هو اول من اسس الطب الوقائي الذي تزعم الغرب انها هي التي اكتشفته والاسلام اول من سن الحجر الصحي قال صلى الله عليه وسلم (اذا سمعتم بالطاعون في أرض فلا تدخلوها وإذا وقع بارض وانتم فيها فلا تخرجوا منها) وقال صلى الله عليه وسلم (لايورد مورد على مصح) 

واهتم بنظافة البيئة وحمايتها من الامراض والتلوث لانها تنعكس على الفرد والمجتمع يقول صلى الله عليه وسلم (عرضت عليي أعمال أمتي حسنها وسيئها فوجدت في محاسن أعمالها الأذى يماط عن الطريق ووجدت في مساوئ أعمالها النخاعة تكون في المسجد لاتدفن) 

وشجع ممارسة الرياضة البدنية كالرمي والسباحة والفروسية والعدو قال صلى الله عليه وسلم (من تعلم الرمي ثم نسيه فليس منا)

أيضا اوجب العلاج والدواء إذا أصيب الانسان بمرض، إن الله سبحانه وتعالى أنزل الداء والدواء وجعل لكل داء دواء، فتداوو ولاتداوو بمحرم وأمر المسلمين بإتقاء الملاعن الثلاث البراز في مورد الماء أوقارعة الطريق او في الظل، ونبه الى تخلية البيوت من الفضلات والقمامة حتى لاتكون مأوى للحشرات فالله سبحانه وتعالى طيب يحب الطيب ونظيف يحب النظافة وكريم يحب الكرم وجواد يحب الجود، فنظفوا أفنيتكم ولاتشبهوا باليهود

أيضا نبه الاسلام عن كل مايضر بالإنسان ويؤذيه ويلحق به الضرر فقد حرم بعض الاطعمة والأشربة الضارة وحلل الطيبات وحرم الفواحش ولحم الخنزير والخمر والمسكرات (يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه) كما حرم لحوم الحيوانات الميتة والدم ولحم الخنزير وأكل لحم الحيوانات والطيور التي تتغذى على القاذورات 

وحرم إرهاق البدن بالعمل وطول السهر والجوع لأي سبب كان إلا ماكان في طاعة الله وقد (أنكر صلى الله عليه وسلم على رهط من اصحابه أراد احدهم ان يقوم الليل ولاينام وأراد الثاني ان يصوم ولايفطر وأراد الثالث ان يعتزل النساء فلم يوافقهم على ذلك وقال لكل واحد منهم إن لبدنك عليك حقا ولأهلك عليك حقا ولربك عليك حقا) وجعل من ورد المسلم اليومي صباحا ومساءا الدعاء بتمام الصحة والعافية فقال صلى الله عليه وسلم (سلو الله العافية فما أوتي المرء بعد اليقين خير من العافية) وكان مكررا معلما لأصحابه صلى الله عليه وسلم بشكل يومي (اللهم عافني في بدني وعافني في سمعي وعافني في بصري لاإله إلا انت، اللهم متعنا بأسماعنا وأبصارنا وقواتنا ما أحييتنا واجعله الوارث منا)

والحمد لله رب العالمين

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى